الشباب العراقي يعيد اكتشاف “البنفسج”.. لماذا أصبحت الأغنية السبعينية “ترند”؟

لم يتردّد خالد مصطفى، وهو منشئ محتوى على تطبيق “تيكتوك”، في تجربة دمج مقطع من أغنية عراقية تراثية بأحد مقاطعه المصوّرة، لينبهر كما يقول بالنتيجة على الرغم من بساطتها.

ويقول خالد “التيكتوكر” في حديثه  إن “اختياره للأغاني القديمة ومنها أغنيات السبعينات تمثّل تجربة خاصة، حصلت على نتائج لم تكن متوقّعة”.

ويضيف، “كنت أستمع إلى أغنيات خالدة مثل (يا حريمة) و(البنفسج) و(غريب الروح) وغيرها العشرات من الأغاني، وكانت تمنحني إحساساً لم أجده في الأغاني الشبابية ذات الإيقاع السريع في الوقت الحاضر”، مؤكداً أنه جرّب بث مقاطع قصيرة من هذه الأغنيات على التيكتوك وأذهلته النتيجة، إذ سرعان ما تصبح “ترند” من خلال المشاهدات والإعجابات.

ويبّين مصطفى، أن “نجاح هذه التجربة شجّعته على نشر المزيد من مقاطع الأغنيات القديمة، والتي أصبح يرى مثيلاتها الكثير في العديد من مواقع التواصل”.

وقد وجدت الأغنيات القديمة، وخاصة الأغنية السبعينة، فضاءً رحباً في مواقع التواصل الاجتماعي، واللافت أن من يقوم بنشر هذه الأغنيات على المنصات الرقمية أفراد لم يدركوا تلك الحقبة الزمنية، ولكن قد يكون الدافع إلى بث الأغاني القديمة على تطبيقات ومواقع مثل “تيك توك”، و”إنستغرام” وغيرها، هو أن الوعي الجديد بدأ يتشكّل لدى مجموعة من شباب يمتلكون ثقافة وإحساساً فنياً راهناً.

وتقول ليلى خليل (27 عاماً)، إن عودة الأغنية الفنية التراثية عبر المنصات الرقمية تعبّر عن حاجة المجتمع إلى الفن الأصيل في زمن تسوده السرعة والتشابه، مضيفة أن “الأغاني تحمل ذاكرة جماعية وهوية ثقافية، وتمنح المستمع إحساساً بالصدق والعمق الذي يفتقده كثير من الإنتاج المعاصر”.

وتلفت ليلى في حديثها ، إلى أن الأغنية التراثية لم تُبعث من جديد، بل أُعيد اكتشافها عبر وسائل حديثة قربتها من الأجيال الشابة، وأثبتت أن الفن الحقيقي لا يشيخ، بل يجد طريقه كلما وجد من ينصت إليه.

ووجد هؤلاء الشباب في الأغنية السبعينية ما يسد الفراغ الفني على مستوى اللحن والأداء وغياب الكلمات الهادفة، وهي العناصر التي تتشكّل منها الأغنية في الوقت الراهن.

بيد أن هذه الجهود لم تكن فردية وحسب، إذ تحصد هذه الأغنيات آلاف المشاهدات والإعجابات وتصبح “ترند”، ما يعني حسب معنيين نمو حس فني لدى الأجيال المتأخرة.

وعلى الرغم من بعد المسافة الزمنية للأغنية السبعينية عن الأجيال اللاحقة لكنها لا تزال حية وتنبض بالجمال، ويتفاعل معها الشباب باعتبارها نتاجاً فنياً عراقياً يمتاز بالأصالة والعمق.

من جانبه يقول علي محمد (21 عاماً)، إن “الأغاني في الوقت الحاضر تعتمد على السرعة في الانتشار لذلك نرى أن الأغاني بلا معنى عكس الأغاني القديمة التي تحمل المعان الملائمة لكل مناسبة”.

ويرى أن هناك “أغنيات تناسب مقاطع الفيديو الدافئة البطيئة التي نفتقدها في حياتنا مثل مقطع من أغنية قحطان العطار (فرح يهل الفرح شراي بيعولي.. يمر بيه وأحزاني بعيوني)، فهذه المقاطع تلامس القلب بسرعة سواء نتذكر الحبيب، الصديق، أو حتى أنفسنا ونحن ننهكها بمتاعب الحياة”.

تصاعد انتشار ظاهرة المقاطع القصيرة للأغنيات السبعينية والثمانينية والتسعينية ومقاطع أخرى من الغناء الشعبي الشّجي على مواقع التواصل، لم يخل من إدخال تقنيات جديدة على المقاطع الفيديوية تتمثّل بصور تجمع بين الذاكرة والتقنية الحديثة، وأسهم ذلك في أن تصبح هذه المقاطع محتوى يتفاعل معه كثير من المستخدمين.

وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول العازف جمال ناصر، في حديثه ، إن الأغنية السبعينية تتصدر في الوقت الحاضر مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحت “ترندات” ليس في العراق وحسب، بل حتى في المحيط الإقليمي.

ويتابع، أن “الأغنية السبعينية تمتاز بعدة عناصر تضعها في المقدمة”، مؤكداً أن “الأغنية السبعينية غالباً ما تكون أطول من الأغاني المعتادة، ومن أهم ركائزها المقدمة الموسيقية الطويلة والتحوّلات النغمية والعمق الجمالي”.

ويشير العازف، إلى “الحس الفلسفي في جميع عناصر الأغنية السبعينية من الكلمات واللحن والأداء”، موضحاً “أنها تُعرف بالأغنية البينية، لأنها تكون بين الغناء الريفي وغناء المدينة”.

من جانبه يؤكد المايسترو جمال ناصر، أن “كثيراً من أغاني السبعينات تم منعها لأسباب سياسية، وتعرّض بعض روّاد هذه الأغنية إلى المطاردات الأمنية والاعتقالات”، داعياً إلى “تجديد الأغنية السبعينية وتسليط الأضواء عليها”.

ووفق معنيين، فأن الأغنيات التي أنتجتها الموسيقى العراقية خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تمثّل العمق الحضاري للعراق وتعبّر عن هوية الإنسان العراقي الوجدانية والعاطفية، كما تلامس همومه اليومية وأحاسيسه بشكل نادر.

وتشكّلت الأغنية العراقية بشكل فريد ومتكامل في وسط وجنوب وشمال العراق خلال تلك الحقبة، بسبب وجود قامات شعرية وملحنين أكفاء وأصوات جميلة ومعبّرة، فامتزجت الشعرية العالية مع ألحان تناسب الكلمات ومعززة بأصوات غنائية متدفقة، فأنتجت أعمالاً غنائية لا تزال توقظ أحاسيس الناس على الرغم من مضي عقود من السنوات عليها، وهو ما يجعلها تُصبح “ترندات” حالياً على المنصات الرقمية.

ويوضح المايسترو أحمد عبد الجبار، المدير الفني لمدرسة الموسيقى والباليه، أن “الأغنية السبعينية تمثل العمق الحضاري وهي ركيزة مهمة من ركائز الثقافة والإبداع التي شهدتها فترة السبعينات من القرن الماضي”.

ويضيف في حديث ، أن “الأغنية السبعينية وبعضاً من أغاني الثمانينات تمتاز بالرصانة والعمق، وخاصة الأغنية الجنوبية التي يطغى عليها الحزن وتتشح بالعاطفة الصادقة، إلى جانب أغاني الريف والأغنية الموصلية”، منوّهاً إلى أن “العديد من الأغنيات الجميلة التي ظهرت تنتمي إلى مرحلة تصاعد فيها الوعي وازدهرت الثقافة والقراءة، وتبلورت حركات التجديد في العراق بمختلف الفنون”.

ولفت إلى “ظهور أسماء شعرية رصينة من أمثال عريان السيد خلف ومظفر النوّاب وكاظم إسماعيل كاطع إلى جانب ملحنين مبدعين، ومنهم كوكب حمزة ومحمد جواد أموري، فضلاً عن أصوات غنائية أدت الأغاني بشكل غير قابل للتقليد، مثل الفنان حسين نعمة وسعدون جابر وقحطان العطار وفؤاد سالم وغيرهم”.

وبيّن المايسترو، أن “التكامل بين الكلمات والألحان والأصوات في تلك الفترة كان يمثل نموذجاً راقياً للتعبير عن الوجدان الانساني عبر أغنيات لا تزال راسخة في الأذهان وتقاوم الزمن”.

عن admin admin

شاهد أيضاً

الزعفران..هل يزيد فعلًا من مستويات السيروتونين في الدماغ؟

 تتزايد حالات الاكتئاب من حول العالم. وإذا كنت لا تعاني من هذه الحالة، فمن المؤكد أنك تعرف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Recent Comments

لا توجد تعليقات للعرض.

أحدث المقالات

Calendar

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

الأرشيف

تصنيفات

منوعات

Calender

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

الأرشيف